بقلم : د سمية صالحي
استشاري علاقات زوجية، ومرشدة أسرية تربوية
حادثة وفاة بشرى
لغويطر بسكتة قلبية نتيجة القذف والتشهير عبر منشور على "فيسبوك" ليست
مجرد مأساة فردية، بل هي انعكاس لظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد قيمنا الإنسانية
والأسرية. ما حدث لبشرى يطرح علينا كأسر وأفراد في المجتمع الجزائري تحديًا
أخلاقيًا ومسؤولية جماعية في التصدي لمثل هذه الممارسات. كيف يمكن أن نحمي أبناءنا
وبناتنا من التشهير؟ وما دور الأسرة في الوقوف بجانب الضحية وعدم تصديق هذه
الشائعات؟
أولاً: الحادثة في سياق
الأسرة والمجتمع
في مجتمعنا
الجزائري، حيث الشرف والسمعة يشكلان جوهر العلاقات الاجتماعية، تُعتبر التشهير
والقذف الإلكتروني أشد أنواع الإيذاء. هذه الحادثة المؤلمة تعكس غياب الدعم الأسري
الكافي للضحايا، مما يضاعف معاناتهم. الأسرة هي الحصن الأول الذي يجب أن يحتضن من
يتعرض لمثل هذه الإساءات، ويمنحهم القوة لمواجهة الموقف، بدلاً من الانجراف وراء
الشائعات أو الخوف من نظرة المجتمع.
تجاهل إشاعات
التشهير والوقوف بجانب الضحية ليس فقط واجبًا إنسانيًا، بل هو رسالة تربوية قوية
لأفراد الأسرة وللمجتمع بأسره بأن القيم الأخلاقية والإنسانية لا يجب أن تتزعزع
أمام الأكاذيب.
ثانياً: أسباب انتشار
الظاهرة ..
1. سوء
استخدام التكنولوجيا:
كثير من الأسر
تفتقر إلى توعية أبنائها وبناتها حول الاستخدام المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي،
مما يؤدي إلى نشر الإشاعات أو تصديقها دون تحقق.
2. غياب
الدعم الأسري:
عندما تكون
الأسرة غير متماسكة أو سريعة التصديق لما يُقال، تصبح الضحية معزولة، ما يزيد من
معاناتها النفسية.
3. ضعف التربية على القيم:
بعض الأسر تهمل
غرس قيم الاحترام والرحمة لدى أبنائها، مما يجعلهم عرضة للانجرار وراء سلوكيات
ضارة مثل التشهير أو الشماتة بالآخرين.
في كثير من
الأحيان، يخشى الأهل من الفضيحة الاجتماعية، فيتخلون عن دعم الضحية أو يلومونها
بدلًا من احتضانها ومساندتها.
ثالثاً: مسؤولية الأسرة في
التصدي للتشهير
1. الاحتواء
والدعم:
الأسرة هي
الملاذ الأول للضحية، وعليها أن تقدم الدعم النفسي والمعنوي، وأن تؤكد على براءة
الضحية مهما كانت الشائعات المنتشرة.
2. عدم
تصديق الشائعات:
يجب أن تكون
الأسرة واعية بألا تصدق كل ما يُقال، بل تتحرى الحقيقة وتثق في أفرادها، خاصة
الأبناء والبنات.
3. تربية
الأبناء على مواجهة التنمر:
تعليم الأبناء
كيفية التعامل مع التنمر والتشهير دون أن يؤثر ذلك على معنوياتهم أو احترامهم
لذواتهم.
4. التواصل
مع الجهات المختصة:
الأسرة عليها
دور قانوني في تقديم شكوى رسمية وحماية الضحية من أي تهديد.
رابعاً: الإجراءات القانونية
ودور الأسرة في تفعيلها
القوانين
الجزائرية توفر الحماية للضحايا من التشهير، لكن الأسرة تلعب دورًا محوريًا في
تفعيل هذه القوانين من خلال:
1. تقديم
الأدلة:
الاحتفاظ
بالمنشورات أو الرسائل المسيئة كأدلة، وتقديمها للجهات المختصة.
2. التبليغ
وعدم التهاون:
الإبلاغ الفوري
عن المتورطين، وعدم التهاون أو الاستسلام لضغط المجتمع.
3. التعاون
مع الجهات الأمنية:
متابعة القضية
مع السلطات والتأكد من معاقبة الجاني.
خامساً: موقف الشريعة
الإسلامية ودورها في توجيه الأسرة
"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا
بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم
الفاسقون" (النور: 4).
على الأسرة أن
تكون نموذجًا في تطبيق تعاليم الدين، من خلال:
1. الستر
وحفظ الكرامة:
عدم نشر
الإشاعات أو تصديقها، بل الدفاع عن سمعة الضحية.
2. تعليم الأبناء قيمة الكلمة:
غرس الوعي بأن
الكلمة المسيئة قد تكون سببًا في تدمير حياة شخص بريء.
3. تشجيع
التوبة:
توجيه المتورطين
للتوبة والاستغفار، مع ضمان تحقيق العدالة.
سادساً: خطوات لمعالجة
الظاهرة من منظور أسري
تنظيم جلسات
توعوية داخل الأسرة حول مخاطر التشهير وأثره على الضحايا.
2. تعزيز
الحوار الأسري:
خلق بيئة حوار
آمنة بين أفراد الأسرة لتشجيع الأبناء على التعبير عن مشكلاتهم.
3. الوقوف
صفًا واحدًا ضد الشائعات:
الأسرة التي
تُظهر تضامنها مع الضحية تعطي رسالة قوية للمجتمع بأنها لن تقبل بأي إساءة.
4. التعاون
المجتمعي:
تشجيع الجيران
والأصدقاء على دعم الضحية والوقوف بجانب الأسرة في مواجهة الأزمة.
وفي الأخير :
حادثة بشرى
لغويطر هي دعوة لكل أسرة جزائرية للتفكير في دورها الأخلاقي والاجتماعي. حماية
الأبناء من التشهير تبدأ من احتضانهم، وتصديقهم، والوقوف بجانبهم في الأوقات
الصعبة. إن الأسرة القوية هي الحصن الأول في وجه هذه الممارسات السلبية، وهي
النموذج الذي يمكن أن يُحدث تغييرًا في المجتمع. لنكن جميعًا حماة لأبنائنا
وبناتنا، ولنتذكر أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن ستر الآخر يعكس قيمنا وأخلاقنا الحقيقية.

