عندما زارنا في المكتب كان في وضعية سيئة
جدا ، مرهقا ، متذمرا و يائسا تماما ، أخرج من محفظته القديمة ملفا ضخما وضعه فوق
المكتب و حدثنا قائلا : هلكوني، كسروني، فسدولي حياتي أولاد لحرام .. مرضوني و
هبلوني و خلاوني نًطلب .
إسمه " بولخراص بوجمعة " من
بلدية تيزي نبشار بسطيف ، شاب صار شيخا بهمومه
، مستفيد من قرض وكالة دعم و تشغيل الشباب ansej بداية من سنة 2011 ، أين قام بشراء شاحنة تبريد و بدأ يشتغل موزعا
للحليب الذي يقتنيه من إحدى الملبنات بسطيف ، و نظرا للكمية التي كانت تسلم له و
التي لا تكفي حتى لتسديد مصاريف الشاحنة و السائق بحكم أنه غير حاصل على شهادة
السياقة بسبب مرض في العين اليسرى ، توقف مؤقتا عن العمل سنة 2012 و اتجه للعمل عند الخواص، ليعود سنة 2015
إلى نفس الملبنة لعلها تمنحه كميات كافية ،
ليكتشف حينها أن أصحاب الملبنة استعملوا وثائقه و سوقوا بها كميات هائلة من الحليب
المدعم و حليب البقر سنة 2011 و 2012 أين كان لديهم الملف التجاري للزبون و حتى
الختم الذي يبقى لدى مسير الملبنة بطلب منه من أجل الإمضاء على وصولات التسليم و
الفاتورات و هو ما كان معمول به أيضا مع بقية الزبائن .
و لما أستفسر الضحية من مسيري الملبنة ، طلبوا منه حسب قوله استعمال
التسهيلات الجبائية التي يستفيد منها أصحاب قروض لونساج في مسح الضرائب ، كما
رفضوا زيادة حصته و طردوه من المؤسسة ، ليتوجه بعدها لمديرية التجارة بسطيف مقدما
شكوى ، و عوض أن تباشر هذه المديرية فتح تحقيق في القضية قامت بإدراج المعني في
القائمة الوطنية للغشاشين كما رفعت ضده شكوى لدى وكيل الجمهورية بجنحة عدم الفوترة
، ليصاب المعني بانهيار عصبي كاد أن يودي بحياته ، و هو يتابع علاجه النفسي حتى
الآن بعد معالجة داخل مستشفى عين عباسة للأمراض العقلية لعدة شهور.
ملف المعني يحتوي على وثائق من شأنها توريط الملبنة التي قد تكون خانت الأمانة باستعمال ختمه و استغلال ملفه التجاري لتسويق الحليب المدعم الذي ربما كان يوجه لأصحاب مصانع الياؤورت و الأجبان و المثلجات بطريقة مخالفة و الدليل على ذلك أن رقم أعمال الملبنة المصرح به سنة 2011 فاق مبلغ لغ 12.3 مليار سنتيم ، أي برقم أعمال يومي يفوق 43 مليون سنتيم ، رغم أن الملبنة المعنية لا تستطيع بحكم العتاد الذي تملكه تسويق كمية قيمته أكبر من 29 مليون سنتيم يوميا ، و هذا ما يؤكد أن الملبنة المعنية كانت تستعمل ملف هذا الزبون لتسويق كميات هائلة حتى تلك التي تباع لبقية الزبائن .
و هذا ما تؤكده الفواتير التي نسبت لهذا
الزبون، حيث نجد أن الفاتورة رقم 24
بتاريخ 23/02/2011 مثلا تبين أن المعني أقتنى في ذلك اليوم 57050 كيس من الحليب أي
ما يمثل 57 طن و هو ما يعادل حمولة ثلاث شاحنات وزن ثقيل مقطورة ، بينما المعني لا
يملك سوى شاحنة صغيرة حمولتها المرخصة 1.5 طن فقط ، و حتى و لو يكون المعني أقتنى
هذه الكميات الهائلة فأين يتم تسويقها و هذا ما يعد ضرب من الخيال .
أما الفاتورة رقم 56 بتاريخ 06/03/2012
فتحمل كمية تقدر بـــ 142960 كيس من الحليب المدعم و 575 كيس من حليب البقر و هو
ما يعادل 142.96 طن ، و هذا ما يلزم المعني القيام بــ 58 رحلة بشاحنته في نفس
اليوم لنقل هذه الكمية و تسويقها في تيزي نبشار، و هذا ضرب من الخيال لأن هذه
الملبنة أصلا لا تستطيع أن تنتج أكثر من 13 ألف لتر في اليوم الواحد . و هو ما يعد
شبهة للملبنة كانت خلال تلك الفترة في إمكانية بيع مسحوق الحليب الذي كان من
المفروض أن يوجه للسكان ليسوق بطريقة غير شرعية للمؤسسات الاقتصادية.
بالإضافة إلى هذا وجدت فواتير على حساب
المعني قبل حتى أن يكون له سجل تجاري كما هو الحال مع الفاتورة 20و 24 و 30 و هو
ما يعتبر تزوير مخالف للقانون ، فلا يمكن لمؤسسة تجارية الفوترة بدون وجود سجل
تجاري ، هذا بالإضافة إلى عدم وجود الإمضاء على الفواتير و أخطاء متكررة في
العنوان.
و هو ما يتطلب فتح تحقيق بأثر رجعي لإظهار حقيقة
غش الملبنات التي ظلت تتلاعب بالزبائن بسرقة حصتهم و تحويلها لإنتاج مواد أخرى
كاللبن و الاجبان و المثلجات من أجل تحقيق هامش ربح كبير جدا يفوق بكثير ما تحققه
من إنتاج الحليب المدعم ، التحقيق هذا سيكشف لا محالة المافيا التي تستثمر في
بودرة الحليب المدعم الموجهة إلى المواطن البسيط والتي تكلف سنويا الخزينة
العمومية أموالا باهظة تفوق المليار دولار و هو ما يعادل 100 مليار دينار.
مع الإسراع في سد الفراغ الخاص بالرقابة على هذه المادة الحيوية من خلال رفع الدعم مباشرة و تحويله كسيولة
للفئة الهشة من الساكنة أو وضع آليات ضبط
و مراقبة و منها ما تم طرحه من بعض المختصين كإضافة نشاء الذرة إلى بودرة الحليب
المدعم خلال عملية تعليب البلد المصدر للمادة، قبل دخولها إلى السوق الوطنية لمنع
أية تدخل أو غش من طرف المنتجين .
أما ما يطلبه الضحية " بولخراص بوجمعة " فهو فقط إعادة
فتح ملفه و توفير جو ملائم لإجراء تحقيق نزيه بعيدا عن الضغوطات و الاملاءات لكشف
الحقيقة لا غير و البداية تكون من مصالح مديرية التجارة بالولاية التي لها كافة
الصلاحيات و الإمكانيات المادية و البشرية لإجراء تحقيق نزيه إذا توفرت الإرادة و
غابت المصلحة . (الموضوع للمتابعة) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاشور جلابي / صوت سطيف.

